(تقرير).. كيف نجح آل جابر في إدارة ملف التفاوض بين الانتقالي والشرعية؟

 


▪ تقرير تحليلي لجهود ودور السفير السعودي في تمرير اتفاق الرياض

 

▪ ما هي أبرز العقبات التي واجهت جهود السعودية لإنجاز اتفاق الرياض؟

 

 

▪ كيف مرت مراحل التفاوض السياسي التي رعتها المملكة وأشرف عليها السفير شخصياً؟

 

 

▪ لماذا يعد هذا الاتفاق الأبرز للدبلوماسية السعودية في اليمن منذ
المبادرة الخليجية؟

 

 

▪ هل نجح السفير في نقل التيارات الانفصالية إلى داخل الحكومة الشرعية؟

مهندس اتفاق الرياض

 

 

فرضت الجغرافيا ارتباطاً وثيقاً بين الدولة السعودية ونظيرتها اليمنية،
وجعلت من قضية التداخل بين مصائر البلدين أمراً حتمياً لا مناص منه.

ولعل التاريخ هو ما يؤكد هذه الحقيقية، بناءً على عديد أحداث وقضايا
جسيمة، شهدتها اليمن، وكان تدخل السعودية جلياً وواضحاً في تغيير وتوجيه
تلك الأحداث؛ نظراً لارتباطات الأمن القومي للبلدين.

ولعل اهتمام السعوديين باستتباب العلاقة بين الحكومة اليمنية الشرعية
والمجلس الانتقالي الجنوبي، عقب مواجهات العام الماضي، والحرص على تطبيق
اتفاق الرياض؛ كان أحدث فصول الاهتمام السعودي بالجار اليمني القريب.

وهي محطة أخيرة، من سلسلة محطات، حكمت علاقة المملكة العربية السعودية
بالجمهورية اليمنية، منذ أكثر من ستة عقود.

محطات وتحولات العلاقة

إن الاهتمام الوثيق للسعوديين بالشأن اليمني اتخذ أشكالاً أكثر وضوحاً،
عقب ثورة (سبتمبر 1962)، والتي تحوّل فيها النظام الملكي الإمامي في
الشمال إلى جمهوري، إلا أن الرياض اقتنعت بالجمهورية عقب تفاهمات
اليمنيين في (1968).

ومنذ ذلك الحين، تحولت المملكة العربية السعودية إلى أبرز اللاعبين
المؤثرين في الشئون اليمنية.

لكن في المقابل، لم تكن علاقة الدولة الوليدة في جنوب اليمن، التي تأسست
في أواخر (1967)، على ما يرام، عطفًا على حسابات أيدولوجية وعقائد
سياسية.

تلك العلاقة مع الدولة الجنوبية لم تهدأ إلا عقب تحقيق الوحدة اليمنية،
منتصف (1990)، والتي تحولت فيها العلاقة بين المملكة واليمن عموماً إلى
مراحل مغايرة ومختلفة تماماً، لم تلوثها حرب صيف (1994).

وتوطدت العلاقات بين الجانبين كثيراً، عقب توقيع اتفاقية الحدود المبدئية
في (2000)، حينها فقط انتقلت العلاقة إلى مستوى الحلف الاستراتيجي، الذي
استمر حتى ثورة الشباب، فيما أطلق عليه 'الربيع العربي" (2011).

حينها قدمت الرياض ما عرف بـ"المبادرة الخليجية" في (2012)؛ والقاضية
بنقل السلطة، وكان للدور السعودي أكبر الأثر في استقرار الأوضاع
السياسية.

"عاصفة الحزم"، وما أعقبها من "إعادة الأمل" عبر تحالفٍ عربي، في (2015)،
شكلت هي الأخرى تحولاً جذرياً في علاقة المملكة باليمن، اتخذت ملامح أكثر
عمقاً؛ من خلال التدخل العسكري؛ لاستعادة الشرعية اليمنية.

الدبلوماسية السعودية

عقب تحرير الكثير من المناطق والمحافظات اليمنية من سيطرة المليشيات
الحوثية، أواخر 2015، وخلال 2016، وتحقيق العسكرية السعودية والتدخل
العسكري للتحالف بعض أهدافه، تحركت عقب ذلك الدبلوماسية السعودية في
اليمن.

وكان عنوان هذا التحرك يتمثل في شخص السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل
جابر، الذي قاد دبلوماسية نشطة في مختلف الجوانب، تجاوزت المجال السياسي،
وانتقلت إلى قطاعات أكثر تخصصاً وارتباطاً بحياة اليمنيين.

فتواجد التحالف العربي في المناطق المحررة، منذ أواخر (2015)، شكّل
مسئوليةً إضافية على المملكة العربية السعودية، في تأمين الاستقرار
واستتباب الأوضاع الاقتصادية والأمنية.

وتمثلت هذه المسئولية في عدة أعمال قدمتها الرياض لليمن، بدءاً من
الوديعة المالية التي قدمتها السعودية لتحسين قيمة الريال اليمني،
واستيراد المواد الغذائية الأساسية، كإحدى المسئوليات الملقاة على
المملكة، وهي إجراءات تحسب للسفير آل جابر.

كما أن دور المؤسسات الإغاثية والإنسانية والتنموية التابعة للسعودية كان
ملموساً في معالجة أوضاع النازحين وتبعات الظروف المعيشية الناتجة عن
استمرار الحرب، بالإضافة إلى دعم قطاع الكهرباء بشحنات الوقود السعودي
لمدة عام كامل.

ولعل تواجد السفير آل جابر كمشرف على البرنامج السعودي لتنمية وإعادة
إعمار اليمن، أدى إلى تحرك عجلة الجوانب الاقتصادية والخدمية بشكل لافت،
في دعم العملة المحلية، وقطاع الخدمات العامة، ومجالات الأشغال العامة،
وسبل العيش، وتمويل مشاريع تنموية وصحية عديدة.

ويبدو أن الدبلوماسية السعودية التي قادها آل جابر لم تقتصر على تلك
الجوانب، يل تعدتها لتشمل الأوضاع العسكرية والسياسية، والتي يبدو أنه
نجح فيها هو أيضاً، كما تجسد ذلك في اتفاق الرياض، التي كانت أكثر
تعقيداً وتحدياً.

مرحلة ما بعد أغسطس 2019

غير أن ما يمكن أن يكون أكبر تدخل أو تحرك سعودي، بعد عاصفة الحزم، قد
حدث منذ سنوات في الشأن اليمني، هو نجاح المملكة في تنفيذ اتفاق الرياض،
والذي لم يوازه أو ينافسه في هذا النجاح، سوى المبادرة الخليجية، التي
قدمتها المملكة تحديداً، والموقعة بين الفرقاء اليمنيين.

لكن اتفاق الرياض الذي جاء نتيجة مواجهات أغسطس 2019 الدامية في عدن، بين
القوات الحكومية الشرعية وقوات المجلس الانتقالي، سبقته جهود عسكرية في
عدن، لتوحيد الوحدات العسكرية والأمنية، خاصةً عقب بدء خروج القوات
الإماراتية من عدن.

وهي جهود أشرف عليها السفير السعودي، ورغم أنها لم تكتمل تماماً، حيث
عاجلتها أحداث أغسطس 2019 المؤسفة، إلا أن مراقبين تحدثوا عن أن جهود آل
جابر كانت تسعى لنزع فتيل أسباب التوتر في عدن، غير أن تسارع الأحداث حال
دون ذلك.

ورغم إدراكه لما كان يدور في مدينة عدن، وجهوده في تجنيب المدينة أحداث
الاقتتال، إلا أن الاستدراك جاء من السفير السعودي، الذي جمع الأطراف
المتصارعة في مفاوضات ماراثونية، استمرت أكثر من عامٍ كامل، لتدارك ما قد
حدث.

حيث لم تكن الأمور تسير بسلاسة في الجنوب، وواجهت الدبلوماسية السعودية
الكثير من العوائق والعقبات في سبيل جمع الأطراف المتصارعة، حتى قبل
الجلوس على طاولة المفاوضات.

وهي مرحلة صعبة، بدأت منذ أواخر سبتمبر وحتى أكتوبر 2019، ورغم أن
التوقيع على اتفاق الرياض، الذي كان حصيلة المفاوضات، تم مطلع نوفمبر من
نفس السنة، إلا أن تنفيذ بنود الاتفاق وتطبيقها على الواقع احتاج إلى
أكثر من عام.

فما الذي أخر التنفيذ كل هذه المدة، رغم جهود السفير السعودي الحثيثة،
وما هي العوائق التي تجسدت حينها؟.

عقبات أمام الاتفاق

أسفرت المواجهات التي شهدتها عدن في أغسطس 2019، عن واقع عسكري وأمني
مختلف، مغاير لما قبل هذا التاريخ.

فالقوات الموالية للمجلس الانتقالي فرضت سيطرتها على المدينة، وطردت منها
قوات الشرعية، وحينها كان الانتقالي يعيش نشوة الانتصار الذي حققه على من
أسماها "الحكومة الفاسدة".

وكان من الصعب وقتها إقناع المجلس وقواته بالانسحاب من عدن، وهو مطلب
الحكومة الشرعية حينذاك، حتى تقبل بالجلوس للتفاوض.

وهو ما ركز عليه السفير السعودي لدى اليمن، وسعى-بحسب محللين- إلى تفكيك
تعقيدات المشهد، والمطالب المركبة والمستحيلة من طرفي الصراع، حتى تم
التوصل إلى تنفيذ واقعي لاتفاق الرياض، ارتضته كافة المكونات السياسية في
اليمن، شمالاً وجنوباً.

ومن الواجب هنا استحضار العراقيل التي كانت تتسبب بها المواجهات بين قوات
الطرفين على جبهة أبين، والتي كانت تحتاج إلى تدخلات وإعلانات من السفير
آل جابر؛ لإيقاف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات، وهو ما تم بالفعل، ما
سمح بمواصلة مسار المشاورات.

كما أن عددا من المحللين كشفوا عن تعامل صعب مع عملية توزيع الحقائب
الوزارية في الحكومة اليمنية الجديدة، والأسماء التي اقترحتها المكونات
المشاركة في تشكيلتها، وتطلب ذلك وضع توازنات تضمن موافقة كافة الأطراف
على الأسماء وحصص الأحزاب والكيانات المختلفة.

الاتفاق الأهم في زمن الحرب

يصنف مراقبون اتفاق الرياض، كأهم تسوية سياسية حدثت في اليمن بعد عام
2015، وذلك عطفاً على العديد من العوامل والأسباب التي منحته هذه الصفة،
كأبرز الجهود والنجاحات التي حققتها الدبلوماسية السعودية، بعد المبادرة
الخليجية.

حيث يعتبر الاتفاق وثيقة جديدة من وثائق المرجعيات السياسية والعسكرية،
والتي يمكن أن تمهّد لاتفاق شامل وتسوية نهائية للأزمة اليمنية، وهو ما
تتحدث عنه الكثير من الأطراف المحلية والدولية بمن فيهم السعوديون
أنفسهم.

ويبدو الأمر، بحسب مراقبين، أنه بداية لهذا الأمل الذي ينشده كثيرون، وهو
إنهاء الحرب اليمنية، ووضع حد لأزمة استمرت نحو سبع سنوات، كما يبدو أن
السعوديين يسعون إلى هذا الهدف؛ وبالتالي اجتهدوا في استيعاب كافة
المكونات اليمنية، بما فيها المتناقضة في هيكل واحد.

حيث تتطلب مقومات الوصول إلى حل شامل للأزمة في اليمن، تواجد كافة
الأطراف والكيانات والأحزاب في إطار سياسي يتكفل مهمة الحديث كندٍ ومقابل
قوي مع طرف صعب مثل الحوثيين، لوضع نهاية للحرب اليمنية.

ويرجح محللون أن مثل هذه الآلية التي اقترحها السفير السعودي محمد آل
جابر، مهندس اتفاق الرياض، والمسئول عن مفاوضات التشكيل الحكومي، تأتي في
ظل تطورات ومستجدات إقليمية ودولية، تدفع نحو إنهاء الأزمة اليمنية، ووضع
حد لها.

وهذا المطلب هو إلحاح وطني محلي، قبل أن يكون مطلباً او ضغوطات دولية وخارجية.

كما أن أمراً كهذا، متوقف على نجاح عملية تطبيق وتنفيذ الاتفاق، الذي
بدأت إرهاصاته الأولى في الانسحابات العسكرية من أبين، والإعلان عن
الحكومة الجديدة، فالنجاح في أداء الحكومة لمهامها الخدمية والاقتصادية،
وتوقف التوتر العسكري كفيل بالدفع نحو توسعة الاتفاق ليشمل الخارطة
اليمنية بشكل عام.

احتواء التيارات الانفصالية

يحسب للسفير السعودي باليمن، نجاحه في قضايا فشل فيها من سبقوه، سواء
كانوا يمنيين أم شخصيات خارجية، في احتواء أصوات ودعوات الحركات
الانفصالية في جنوب اليمن، داخل كيان الحكومة اليمنية الشرعية.

ولعل هذا الهدف تحقق بالفعل في اتفاق الرياض، الذي سمح باستيعاب تيارات
ومكونات كانت تنادي بالانفصال عن اليمن، وهي مسألة كانت مستحيلة قبل عام،
ولم يكن أحد يستوعب حدوثها، غير أنها حصلت.

وعلى مدى أكثر من عقدين، حاولت الأنظمة اليمنية المتعاقبة استيعاب وإغراء
التيارات الانفصالية للانضمام إلى قوام الحكومات اليمنية، للتخفيف من
وطأة المطالب الانفصالية، إلا أنها فشلت في تحقيق هذا الهدف.

ورغم محاولات مؤتمر الحوار الوطني، والإغراءات التي كان يقدمها الرئيس
اليمني منذ 2012، للقادة الحراكيين والانفصاليين، إلا أن شيئاً من ذلك لم
يحدث، ولم تستطع كل المحاولات النجاح في هذا الأمر، باستثناء اتفاق
الرياض، الذي هندسه آل جابر.

ويعتقد محللون أن استيعاب الحركات الانفصالية في الحكومة اليمنية تطور
خطير في مسيرة المطالب والدعوات الراغبة في فك الارتباط بين الشمال
والجنوب، وأن تقسيم الحكومة اليمنية بين الجنوبيين والشماليين، هو تكريس
للشراكة.

ويمكن بنجاح هذه التجربة أن تتلاشى وتتراجع دعوات الانفصال، والقبول بهذا
الشكل من تقاسم السلطة، بين الشمال والجنوب، تمهيداً لتقاسم الثروة
أيضاً.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص