“القصة الأخيرة”.. تحقيق يتتبع الأيام الأخيرة من حياة الصحفي محمد العبسي

هذا التحقيق يتتبع الأيام الأخيرة للصحافي الاستقصائي محمد العبسي الذي توفي عام 2017 في ظروف مشبوهة أثارت الشكوك في أنه مات مسموماً بدافع سياسي.
موته الصادم أثار موجة قلق وغضب. ودعت منظمات صحافية محلية ودولية إلى التحقيق في قضية مقتله، خصوصاً أنه عُرف بتحقيقاته التي تناولت قضايا فساد واقتصاد الحرب والانتهاكات التي يتعرض لها اليمنيون.
في ليلة من ليالي العاصمة صنعاء الباردة، خرج الصحافي الاستقصائي والأديب اليمني محمد عبده العبسي إلى أحد المطاعم الصغيرة في المدينة (كافتيريا)، لتناول وجبة عشاء خفيفة، يسد بها جوعه بعد يوم شاق أمضاه يبحث ويدقق عشرات الوثائق التي وصلت إليه عن فساد كبير في قطاع النفط والبنزين في اليمن، لم يكن يعلم بأن تلك الوجبة ستكون عشاءه الأخير.
لم تعد رصاصات الأسلحة الكاتمة للصوت أو العبوات الناسفة أبرز الأساليب المستخدمة في عمليات الاغتيالات. إذ تتعدد الوسائل والآليات، إحداها التي لا تزال مجهولة حتى الآن والتي بسببها توفي الصحافي اليمني محمد عبده العبسي، وقد تكون السم…
بعد مرور خمس سنوات، لا يزال الغموض يكتنف ظروف وفاة العبسي. الذي رحل مساء الثلاثاء، 20 كانون الأول/ ديسمبر 2016. تناول العشاء ثم توجّه إلى المنزل، وخلال أقل من ساعتين، بدأ يعاني من أعراض ضيق في التنفس، وتوفي إثر ذلك بوقت قصير.
متهم أولي
في منتصف شباط/ فبراير 2019، أفادت لجنة الخبراء المعنية باليمن، والتابعة لمجلس الأمن الدولي، بأنها لاحظت حدوث جريمة قتل، راح ضحيتها الصحافي محمد عبده العبسي، والذي كان يحقق في النشاط المالي لقيادات في “جماعة أنصار الله” (الحوثيين).
بعد الإعلان المفاجئ لوفاة محمد، انقسم اليمنيون خصوصاً النشطاء والصحافيين ما بين فرضية الوفاة بجلطة قلبية، وبين مرجحي الاغتيال. وكان أنصار الفرضية الأولى أكثر كون الاغتيال لم يكن بالرصاص كما كان شائعاً في التصفيات في تلك الفترة في اليمن. حتى ظهرت نتائج تقرير الطب الشرعي الذي أكد وجود نسبة عالية من أول أوكسيد الكربون في الدم. وتقرير لجنة الخبراء الذي أشار إلى أن الوفاة لم تكن طبيعية، فقد مات الرجل مسموماً.
تضمن تقرير آخر  للجنة الخبراء رُفع إلى رئيس مجلس الأمن الدولي في 25 كانون الثاني/ يناير 2019، أن محمد العبسي كان يعمل على تحقيق حول امتلاك قيادات الحوثيين شركات نفطية عملاقة يتم عبرها استيراد النفط، وأن الأموال الناجمة عن ذلك تمثل مورداً ضخماً لهم ولأشخاص وردت أسماؤهم ضمن قائمة العقوبات الدولية.
من تقرير لجنة الخبراء انطلقنا في بحث عميق وجمع شهادات وإشارات  تؤكد ما جاء في تقرير لجنة الخبراء، والذي تضمن أن العبسي قُتل مسموماً في جريمة قتل بشعة أثناء عمله على تحقيقات تثبت تورط قيادات حوثية بارزة في بيع النفط وشرائه.
تتبع العبسي ثروات النافذين، ومصادر الثراء، ودقّق في صفقات الغاز، والمشتقات النفطية، وما وراءها ومن وراءها. ووثق التلاعب في وضع الموازنات العامة بأرقام كاشفة، كما تتبع صفقات السلاح، والعبث في وزارة الدفاع والأمن.
بداية المعركة
بعد دخول أنصار الله واحتكارهم تجارة النفط وتضييقهم على الحريات الإعلامية، اتّجه العبسي للحديث عن الحوثيين وعن فسادهم ونشر عشرات المقالات والتحقيقات عن احتكارهم على صفحته الخاصة على “فايسبوك”. وكذلك على مدونته الخاصة على الإنترنت والتي كانت منصته الوحيدة التي ينشر عليها مقالاته.
كتب العبسي تحقيقات وتقارير كثيرة تكشف فساد أطراف عدّة، بينهم الحوثيون، الوافد الجديد إلى العاصمة صنعاء، بعد سيطرتهم عليها في 21 أيلول/ سبتمبر 2014.
في الأيام الأخيرة من حياته، أرسل العبسي عشرات الرسائل الخاصة إلى بعض زملائه وبعض الصحافيين والسياسيين، بينهم القيادي السابق في جماعة الحوثيين والذي انشق عنهم، علي البخيتي، والذي بدوره نشر الوثائق التي أرسلها له العبسي. كذلك أرسل الرسائل ذاتها إلى محمد الربع، المذيع التلفزيوني في قناة “بلقيس”، الذي نشر جزءاً منها.
كانت تلك الرسائل تمهيداً منه لشيء يشعر بأنه يقترب منه. أرسل ما لديه من وثائق تكشف فساد الحوثيين وغيرهم ممن لديهم ارتباطات بالفساد في قطاع النفط الذي تابعه لسنوات.
في تلك الفترة، تلقى العبسي تهديدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر اتصالات مباشرة. كما تلقى تهديدات مباشرة في الشارع بالقرب من مسكنه من قبل مجهولين، وبدأ يشعر بالخطر وبجدية تلك التهديدات.
وعن كواليس ما حصل خلال تلك الفترة، التقينا بالصحافي والكاتب خالد الذبحاني (اسم مستعار) في صنعاء. فقال إن محمد أخبره في رسائل أنه يعمل على تحقيقات حول سيطرة القيادي الحوثي الأبرز محمد عبد السلام على سوق النفط في اليمن، وأنه تلقى تهديدات كبيرة لإيقاف العمل على تلك التحقيقات وإلا فإن نهايته قريبة.
يشير الذبحاني إلى أنه نصح العبسي بالتوقف عن نشر الوثائق والتحقيقات والخروج من صنعاء إلا أنه لم يرد عليه. ليفاجأ بعدها بأيام بخبر موته في صنعاء.
صور الرسائل
في 20 كانون الأول 2016، وبشكل مفاجئ، أُعلنت وفاة العبسي.
وفي هذا الصدد دعت منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى فتح تحقيق مستقل ونزيه لكشف “ملابسات وفاة المدون محمد العبسي، وتقديم الجناة إلى العدالة”. وقالت ألكسندرا الخازن، مديرة مكتب الشرق الأوسط في “مراسلون بلا حدود” إن المنظمة المعنية بالدفاع عن حرية الإعلام تأسف بشدة لوفاة الصحافي التي تبدو أقرب إلى جريمة قتل شنيعة. داعية إلى فتح تحقيق دولي ونزيه ومستقل، بعيداً من الضغوط السياسية المحلية، لفهم ملابسات هذه الوفاة، وإنصاف عائلته عاجلاً أم آجلاً.
قبول العبسي شقيقة محمد تشير إلى أن التهديدات الأخيرة التي تلقاها كانت متنوعة ما بين اتصالات ورسائل. وفي يوم من الأيام تم تحطيم زجاج سيارته أمام منزله، وكان يتلقى اتصالات لإيقاف تقارير كان يعمل عليها، وتضيف العبسي أنه في يوم من الأيام زارته مجموعة من قيادات الحوثيين إلى المنزل، واتهمته بأنه يعمل ضد الجماعة عبر التقارير وعقد اجتماعات مشبوهة في منزله.
تلفت قبول إلى أن شقيقها في أيامه الأخيرة كان يعمل على تحقيقات خاصة بالسوق السوداء للمشتقات النفطية والشركات التي كانت تديرها قيادات حوثية من الصف الأول.
وتصف العبسي اليوم الأخير من حياة محمد بالطبيعي. لكن عند عودته مساء إلى المنزل كان بحالة غير طبيعية وكان يتعرق بشكل غير مألوف في ظل برد الشتاء الشديد في صنعاء. “وبعد لحظات سمعنا صراخ زوجته فأسرعنا إلى غرفته فرأيناه متشنجاً وعيناه مفتوحتان، حاولنا مساعدته لكنه لم يكن يستجيب لنا”. وتردف: “كان يخرج من فمه رغوة شديدة لونها بني وأصفر وتوقف النبض تماماً. ولم نستطيع حمله لأن جسمه أصبح اثقل وحصل انتفاخ في البطن. وحين وصلنا إلى المستشفى القريب من المنزل كان جسده أزرق، أخبرَنا الطبيب أنه توفي”.
موت بأول أوكسيد الكربون
أشار تقرير الطبيب الشرعي الذي صدر في 2 شباط 2017، بعد الوفاة بشهرين، إلى أن وفاة العبسي ناتجة عن استنشاقه جرعة من مادة الكاربوكسي هيموغلوبين التي تتفاعل مع كميات كبيرة من أول أوكسيد الكربون، التي تتسبب بالوفاة، في حال وصلت كميات الكاربوكسي هيموغلوبين إلى أكثر من 50 في المئة في الدم. وجاء في التقرير أن العينة الأولى من التشريح وهي الدم، كانت تحتوي على مادة الكاربوكسي هيموغلوبين بنسبة تشبع بلغت 65 في المئة.
وفي تقرير تشريح للجثة الذي ينشر للمرة الأولى، بلغت كميات الكاربوكسي هيموغلوبين في عينات الدم في جسمه 67 في المئة. وهي كميات كافية للوفاة، وعند هذا الحد يشتد الشعور بالصداع المصحوب بالقلق والارتباك والإحساس بالدوار والخلل البصري مع شعور بالغثيان والقيء ويحدث إغماء عند بذل أي مجهود عضلي.
وبوصول تركيز غاز أول أوكسيد الكربون إلى 1 في المئة في الهواء المستنشق، فإن الدم عندئذ سيحتوي على 50 – 80 في المئة من الكاربوكسي هيموغلوبين، ما يؤدي إلى غيبوبة واختلاجات وفشل تنفسي ومن ثم الوفاة.
وعند حدوث تسمم متدرج فإن الشخص المسمم بغاز أول أوكسيد الكربون يمكنه أن يلحظ فقدان قدرته على بذل أي مجهود مع صعوبة التنفس عند الحركة ثم عند الراحة أيضاً، مع إفراز عرق كثير وإحساس بالحمى. ومن العلامات المصاحبة للتسمم بغاز أول أوكسيد الكربون، حدوث تضخم بالكبد ومظاهر جلدية وازدياد في عدد كريات الدم البيضاء ونزيف، كما يظهر الغلوكوز والألبومين في البول أحياناً.
ومن أخطر أعراض التسمم بهذا الغاز، حدوث “إديما” دماغية وازدياد الضغط الدماغي، نتيجة ازدياد نفاذية الشعيرات الدموية الدماغية، التي تعاني من النقص الحاد في الأوكسجين، وتنعكس معاناة عضلة القلب من نقص الأوكسجين الواصل إليها، على شكل تغيرات في تخطيط كهربية القلب.
تواصلنا مع الدكتور جمال الحسني وشرح لنا أن هذه المادة لا يمكن حقنها بأي وسيلة من الوسائل فهي عبارة عن هواء، وبالتالي فإن عملية الاغتيال في حالة العبسي نسبتها ضئيلة لكنها واردة في حال تم حبس العبسي في مكان ما يدخل إليه الهواء بانتظام.
وفقاً لرسائل حصل عليها فريق التحقيق، كان العبسي يطلب من نجل توفيق عبد الرحيم، تاجر النفط المعروف في اليمن، وثائق تكشف تدخل الحوثيين في تجارة النفط وعلاقتهم بها.
لم يكن العبسي يعلم أن تلك الرسائل تذهب إلى الحوثيين ولم يكن يعلم أن نجل عبد الرحيم معتقل لدى الحوثيين، حين أرسلها. كان الحوثيون اطلعوا على ما يريده العبسي وما يخطط له وماهية تحقيقه المقبل. ولم يعلق الحوثيون على وفاته على رغم أن أصابع الاتهام تتجه نحوهم.
شهادة أخرى حصلنا عليها من الصحافية المقربة من محمد العبسي وداد البدوي التي تقول إنه قبل مقتله بأيام اتصل بها من رقم جديد وطلب لقاءها.
تقول وداد إن العبسي طلب أن يلتقيها في كوفي كورنر، أحد أشهر مقاهي العاصمة صنعاء، قبل أن يغلقه الحوثيون. وعندما توجَّهَت إلى هناك اتصل بها محمد مجدداً ليطلب منها الخروج من المقهى والتوجه إلى مطعم الشيباني.
تقول وداد إن  محمد كان خائفاً وأخبرها في لقائهما أن المصدر الذي يمده بالمعلومات والوثائق، في إشارة إلى نجل رجل الأعمال توفيق عبد الرحيم تم اعتقاله. وأن الجهة التي اعتقلته اطلعت على الرسائل والاتصالات بينهما. وأصبح هؤلاء أقرب إليه من أي فترة.
تواطؤ السلطات ومحاولة دفن القضية
حتى اللحظة، تؤكد عائلة محمد وزملاء له أنهم ينتظرون أن تنتهي التحقيقات وتعلن للرأي العام. إلا أنه بعد خمس سنوات لم يحدث شيء في القضية.
نجيب الحاج هو المحامي الذي تولى متابعة قضية العبسي يقول إن السلطات القضائية تعاملت مع قضية العبسي بنوع من اللامبالاة ولم نجد أي استجابة، مشيراً إلى أنه “تم رفع ملف القضية إلى النيابة وبعد تباطؤ من عضو النيابة وتلاعبه بالقضية، خضعت للمماطلة في الإجراءات القانونية واستدعاء المتهمين الأوليين للمثول أمام النيابة ومن ثم القضاء، وتم إغلاق القضية منذ عامين تقريباً من دون اتخاذ أي إجراء، على رغم أننا قدمنا طلبات لاستيفاء بعض النواقص لعضو النيابة عبدالسلام الظاهري الذي ترك ملف القضية في البيت”.
ويضيف الحاج: “حاولنا إعادة إحياء القضية مرة أخرى عبر تقديم شكوى في 11 شباط 2020 إلى رئيس النيابة الذي وجه بإحالة الملف إلى وكيل النيابة ياسر الزنداني الذي لم يقم بأي إجراء، والقضية تعرضت لإيقاف متعمد من السلطات كونها تحمل طابعاً إرهابياً من قبل بعض النافذين. ولم نحاول أن نصعّد القضية إعلامياً خوفاً من دفنها. وما زلنا نتلقى وعوداً من وكيل النيابة في التحرك، بعدما عملنا بتكوين ملف قضية من لا شيء. فهي قضية شائكة وكل السلطات تعمل على دفنها، وهناك أدلة دامغة تؤكد أن العبسي توفي مسموماً بحسب تقرير الطبيب الشرعي الذي فحص العينة في العاصمة الأردنية عمان”.
وأشار المحامي إلى أن ملف القضية توصل إلى خيوط عن تورط أشخاص مقربين من جماعة الحوثي وردت أسماؤهم في ملفات القضية ولكن لم نستطع الوصول اليهم بسبب نفوذهم. وتحفظ المحامي عن ذكرهم حفاظاً على مجريات القضية.
يضيف الحاج أنه الوحيد الذي تبقى من هيئة الدفاع والتي تكونت من 12 محامياً قبل أن ينسحبوا منها. وجميعهم اعتذروا عن مواصلة الترافع لأسباب مادية وخوفاً على حياتهم، لأن القضية ترتبط بقصة فساد مواد نفطية تورط فيها تجار كبار من محتكري سوق النفط في اليمن حالياً.
في حرب مستمرة منذ ست سنوات دفع اليمنيون فاتورة باهظة، خصوصاً الصحافيين في أنحاء البلاد. وجميع المؤشرات التي استطعنا التحقق منها في هذا التحقيق والتي تشير إلى أن هناك شبهات جريمة قتل بالغاز المسموم تعرض لها العبسي، بخلاف 48 صحافياً يمنياً قتلوا جميعاً بالرصاص خلال سنوات الحرب السبع في اليمن، ولا تزال قضاياهم مُكدسة في أرشيف المحاكم والنيابات. ولا يزال الجناة أحراراً من دون حساب أو مساءلة لردع الجريمة التي باتت كابوساً يهدد حرية التعبير والصحافة في اليمن.
* أنتج هذا التحقيق بدعم من مركز الخليج لحقوق الإنسان. في إطار مشروع التحقيق في قضايا الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص