" برفقتي صديق "
تتأرجح الأفكار في رأسي ذهاباً وإياباً عمّا إذا كان الفرد قادرًا أن يعيش وحيدًا بلا مؤنس ولا رفيق يشاركه الدرب، أن يأخذه الظلام بعيدًا عن وجهته دون أن يجد من يأخذ بيده نحو النور ويشاطره الطريق. تعلمنا منذ الصغر أو بالأصح غرسوا في دواخلنا قديمًا عبارة " الوحدة عبادة" فصرنا نؤمن بها، وكلما ضاقت بنا الأرض ولم نجد من يداري أحزاننا، اتخذنا هذه العبارة رادعًا أمام من يقف أمامنا. لاأُنكر أبدًا أن جزءًا من تلك العبارة صحيح إلى حدٍّ ما، لأنه في بعض الأحيان تحتاج ذواتنا للانعزال وترتيب أفكارها حول مايدور في محيطها، ولكننا في النهاية نودّ لو بإمكان شخصٍ واحدٍ على الأقل أن يعثر علينا وسط هذا الركام والتَيه وينقذنا من بؤس الحياة. أعترفُ أننا في بعض الأحيان نندم على سوء اختيارنا للصديق المناسب، ونتمنى لو أعاد بنا الزمن إلى الماضي لمحو كل ما له علاقة ، ولكن لنفكر معاً!! هل فكرت ولو للحظة ما إذا كان صديقك يمرّ بظروف أرغمته وفعل بك مافعل؟! ، ألا تؤمن بما قيل" التمس لأخيك سبعين عذرًا"؟! ، هل فكرت لو أنك كنتَ مكانه أكنتَ ستتصرف نفس التصرف؟! ، ماذا لو تأخذ نفساً عميقًا وتفكر مراراً وتكرارًا فيما حدث؟! ، فلا تتخذ رأيًا تأكل أصابعك العشرة في النهاية ندماً ع مااقترفته صنائع يديك في حين أن الأمر لم يستحق كل هذا العناء. أعلمُ علم اليقين أنك ستواجهني بكلمات لاذعة تُنفي كل ماقلتُه وأنك ستخبرني أن الناس لم تُخلق إلا للمصالح وكسر الخواطر والخيانة وأن على المرء أن يمضي طريقه الصحراويّ حتى الوصول، دون أن يلتفت لأحد... سأخبرك شيئًا أنا لاأستطيع أن أؤيد أو أُعارض رأيك، لأن كل واحد منا قد مرّ بمواقفَ لايُحسد عليها وعلى ضوء نتائجها تم اتخاذ هذا الرأي. أعي جيداً وأعلمُ أنه ليس من السهولة أن نعثر على من يفهمنا دائماً أو أن يشعر بنا حين يحتضن السوء جسدنا، فنخوض مئات العلاقات حتى نلمح ذاك الشخص ولو من بعيد، نقترب منه شيئًا فشيئًا حتى تكتمل الصورة عنه في أذهاننا، ثم رويدًا رويدًا مايلبث أن نجده يستقر في أعماقنا فجأة، يستحوذ على تفكيرنا رغم الأشخاص حولنا، و بلا سابق إنذار نجده يحيط بنا مهما ساءت الأحوال بنا دون أن يملّ أو يكِلّ، يشاركنا جميع تفاصيل حياتنا حتى الصغيرة منها دون أن نشعر بثقله، نتمنى لو كان بإمكاننا صنع آلة للزمن ننتقل بها عبر الطرق والمدن حتى نفرّ إليه حتى من أنفسنا، نأوي إليه كلما استصعب علينا أمر، نجد عنده الأمان والطمأنينة كلما أحاط الخوف قلوبنا ... صديق بمثل هذه الصفات لانبرح حتى نعثر عليه. هكذا هو الصديق الحقيقي يصوّر لك الحياة كـ لوحة فنية ازدانت بالألوان، يُفتن كل شخصٍ نظر إليها ولو لبرهة وكأن كل سعادة الكون قد رُسمت في مُحيّاها ، فوجود مثل هؤلاء حياة بالنسبة لنا والقرب منهم حياة أخرى. غيابه يأسر الحزن في قلبك، وكأن قطعة من روحك قد غادرتك حين غاب عن عينيك، وحين عودته تعود إليك روحك مجدداً محمّلة بالطمأنينة عازفةً كل سمفونيات الألحان السعيدة، وكأن الكون كله طبطب عليك حين اكتحلت عيناك به، ينزاح الهم عن كاهلك حين تراه يربّت على كتفيك وكأنه قلبك الذي رُبّتَ عليه، تستظلّ بوجوده وتعود إليه وكأنه البيت الذي يأويك في نهاية يوم شاق، قلبك متصل بقلبه مهما ساءت الأيام والظروف بينكما، تغفر له زلّاته لأنك تعلم حق اليقين أنه لم يقصد بك الأذى وأنه لايريد أن يخسرك، يأتيك مُنكساً رأسه خجلاً من موقفه الذي أثار حفيظتك ولم يكن أن يعي أنه سيُحزنك ، فيتمنى لو كان باستطاعته أن يمنحك حياة سعيدة و أن ينتشل الحزن من قلبك ويضيفه إليه حتى لا تشعر بالأسى والحزن مجدداً ، وكأنه أتى من السماء كمعجزة واعتذار لك على ماأذنبته الحياة والمواقف في حقك. الآن أعلمُ علمَ اليقين أن أغلبنا قد عثر على صديقه بين هذه السطور، وأطمئنك يامن لم تجده بعد، ستجده مختبئاً ينتظر خيطاً من خيوط النور فيك كي يصنع منك فجراً لا يغيب ووهجاً لاينطفئ.
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص