عبق عدني بحي المال بالعاصمة صنعاء

في ذات المكان بالعاصمة صنعاء والذي نشب فيه خلاف السياسيين عقب وحدة القبيلة والمدنية وتم فيه إقرار اشعال فتيل صيف 1994، في ذات المكان وجدت عبق عدن بهيئة أنثى أنيقة وممتلئة بالثقة بالنفس في ممارسة حياتها الطبيعية دون إعارة عيب القبيلة أي اهتمام.. في ذات المكان وجدت بهاء عدن يعيش مشرداً وبائساً.. وتحديداً في المنطقة التي توصف بصندوق المال- أي منطقة حدة، وبالقرب من التقاطع المؤدي إلى شارع صخر..  كان الوقت متكئ على عكاز وحشته يسأل كم أنا؟؟. وكان الشارع بلون البؤس وأنا أحث خطاي قبيل ظهر يوم الأحد الموافق الــ 1 من شهر مارس الجاري 2020.. كنت أدخن بشراهة وأحاول تحاشي التصادم مع المارة أو نفث الدخان في وجوههم، وتنامى إلى سمعي صوت أنثوي فيه كثير من الوقار" يا أستاذ لو سمحت دخان".

توقفت مندهشاً وباحثاً عن مصدر الصوت.. إنها امرأة فعلا تتخذ من جوار واجهة باب زجاجية مكاناً جلست فيه.. كمن أصابه شك بأن الصوت كان مجرد خيال لا أكثر.. حاولت جر قدامي تكرر الصوت " دخان لو سمحت يا أستاذ"، فنظرت تجاه المرأة وقابلتني بإبتسامة وإيماءه بهز الرأس كمن يقول أنا من يطلب الدخان.. تلعثمت. سألتها تريدين... ولم تدعني أكمل قائلة نعم وهزت رأسها. وفتحت قفص السيجار الرديء الذي أدخنه وأخرجت أصبع منه ومددته، تناولته وحركت يدها في إشارة لحاجتها إلى "ولاعة"، فناولتها إياها. أشعلت السيجار ونفثت منه الدخان.. تأملت بصمت في ملامحها.. إنها وجه عدني باذخ في الهدوء والثقة بالنفس، يقترب عمرها من الـ 50 عاماً.. وأكدت لي ذلك..

أعادت الولاعة مرددة شكراً لك. أجبتها الشكر موصول لكٍ وتحركت خطوتين ثم عدت محاولاً منحتها قفص السيجار الذي كان معي وفيه بعض أصابع فقط. ردت حبة تكفي وأصريت عليها فتناولته وهي تردد شكراً لك. أردت منحها ورقة نقدية ولكنها رفضت قائلة: لا أخذ حاجتين من شخص واحد، فقط السيجارة منك ومن غيرك حق "القُراع" أي وجبة الفطور و... وابتسمت. 

تحركت مسافة قصيرة وأدرت وجهي أعيد النظر إليها. كانت تدخن بسرور ودن أن تأبه للناظرين إليها استغراباً وتهكماً فهي في مدينة يسكنها العيب والمرأة ليس لها مكان سوى البيت ومن المعيب أن تدخن في البيت فما بالكم وهي بالشارع. لم تهتم للتساؤلات التي كانت تدور في أذهان العابرين عنها وتدخينها.

أبصرتني وهممت بالمغادرة. لوحت بيدها- في إشارة كمن يقول مع السلامة، وبادلتها التلويح بيدي وبصوت مرتفع مع السلامة وزدت أراك بخير.. تركتها ومضيت أحمل في رئتي عبق البخور العدني في مدن البارود، وصدى أغاني محمد سعد عبدالله والتي طالما كانت تتنامى إلى سمعي وأنا أعبر أزقة الحارات في مدينة عدن طوال سنوات عشتها متنقلاً بين دار سعد والشيخ عثمان والشهيد عبدالقوي والمنصورة والمحاريق والسيسبان والشرقية والقاهرة وخور مكسر والتواهي والبنجسار وفتح غيرها..

في حواري القصير معها لن أهتم لسرد تفاصيل حوارنا، وسأكتفي بالقول إنها وهج عدن وتعايشه ورونقه وتضاريس إنسانه الباذخ بالتسامح والحب والأناقة والفن والتواضع والسحر.. إنها شذرة عدنية شردتها الحرب ورمتها على قارعة الفاقة والبؤس. إنها صدى تسابيح نوارس شواطئ ساحل أبين والساحل الذهبي والعروسة وخليج الفيل وصيرة والقلوعة و....إلخ.. 

في نفس المكان بالعاصمة صنعاء_ أي الحي الفارهـ حدة، كان كبار قادة الجنوب السياسيين يعيشون بعد تدبيج الوحدة، وفيه تم اغتيال وتصفية قيادات جنوبية قبل اشتعال صيف 1994، والذي قال عنه الكاتب بشير البكر " صيف 1994.. حرب القبيلة تنتصر على الوطن".. في نفس المكان بالعاصمة صنعاء تتشرد مرة أخرى نفحة من عدن المسروقة والمتكسرة، وتدخن السيجار الرديء غير آبهة بالعيب الذي كبلنا وما زال يكبلنا ويسرق أحلامنا، وفي انتظار من يجود عليها بما يسد رمق حاجتها..

في ذات المكان بالعاصمة صنعاء والذي نشب فيه خلاف السياسيين عقب وحدة القبيلة والمدنية وتم فيه إقرار اشعال فتيل صيف 1994، في ذات المكان وجدت عبق عدن في أنثى أنيقة وممتلئة بالثقة بالنفس في ممارسة حياتها الطبيعية دون إعارة عيب القبيلة أي اهتمام.. في ذات المكان وجدت بهاء عدن يعيش مشرداً وبائساً..
لن أتحدث على تفاصيل الوجع الذي تعيشه هذه الأنثى والأم العدنية المنكسرة، فيكفي اختصار مأساتها كونها تعيش مشردة وعلى ما يجود به الأخرين عليها.

حيرة
كيف اتسع صندوق المال بالعاصمة صنعاء للألاف من الأثرياء وضاق بهذه الأم المنكسرة والتي خذلها الجميع.. أيضا كيف أتسعت عدن للجميع وضاقت بها..؟

تنويه:
استأذنتها بالكتابة عنها وبكل سرور رحبت شرط ألا أذكر تفاصيل من تكون وكيف رمت بها الأقدار في هوة جحيم البؤس، أيضاً وببسمة تزف كثير من الوجع طلبت ألا أتصلص عليها وألتقط لها صورة، وأكدت لها أني لست من ذلك النوع ووهبتها عهد بذلك. 

ولهذا كتبت قصتها بطريقة مغايرة تماماً..
###
نبيل الشرعبي

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص